محمد بن عبد الله الصفار

208

رحلة الصفار إلى فرنسا

الخمر المعروف ، والآخر خمر يسمونه الشنيالية « 1 » ، إذا صبت في الكأس علتها كشكشة كبيرة ثم تنزل وتصفوا ، وهي عندهم أرفع من مطلق الخمر . ولا يكثرون من الشرب حتى يثملوا أو يتمايلوا ، فإن ذلك عندهم معيب وفاعله لا يعد من أهل المروءة « 2 » . وهاؤلاء القوم لا يكترثون بادخار القوت ، ولا يوجد في بيوتهم إلا حين الأكل حتى بيوت أكابرهم وأهل الثروة منهم . ولا يعجنون الخبز في ديارهم كما عندنا ، وكل ذلك في الأسواق . فإذا كان أول النهار ، دفع رب الدار لخادمه الدراهم ، فيذهب ويشتري كل ما يحتاجون إليه في ذلك اليوم من خبز ولحم ودجاج وسمك وخضر وغير ذلك . والدجاج يباع عندهم ميتا منتوف الريش ولا يذبحونه ، وكذلك سائر صيدهم من أرانب وطير وغيره . كله ميتة لا يذبحون شيئا منه ، ويرون أن في خنقه بقاء قوته « 3 » . فيأتي الخادم بالنفقة للدار ، فيطبخ منها ما يطبخ ويشوي ما يشوى ، ويعالج كل نوع بما يستحقه . وهذه عادتهم كل يوم ، فلا يتكلف أحد منهم بشراء زروع ولا طحنه ولا ادخاره « 4 » . وعلى أرباب الأسواق إقامتها بما يكفي المدينة ، حتى لا يفقد منها شيء طول السنة . ومما يستحسن عندهم ، أنك لا تجد شيئا عندهم بالازدحام عليه ، فهذه المدينة على كبرها وامتلائها ، لا تفقد فيها شيئا من الأطعمة ، ولا تراه بالزحام أصلا ، حتى تظن أنه لا يشتري أحد شيئا من ذلك ، لكثرة ما ترى منه في الحوانيت والأسواق .

--> ( 1 ) أراد الصفار أن يقول خمرة الشامبانيا المشهورة : ( champagne ) . ( 2 ) وردت الملاحظة نفسها عند الغساني ، افتكاك ، ص . 37 . ( 3 ) وفي ذلك مخالفة تامة للشريعة الإسلامية التي لا تحل على المسلمين أكل لحوم الحيوانات غير المذبوحة . وتدخل الحيوانات التي تخنق عوضا عن ذبحها في عداد « الميتة » ، انظر : SEI , s . v . . " maita " ( 4 ) من عادة المغاربة تخزين بعض أصناف المواد الغذائية ، إذ يستغلون الفرق الحاصل في أثمانها حسب الفصول . فيشترون كميات كبيرة من القمح في موسم الحصاد ، ويطحن جزء منه فيصبح دقيقا ، ثم يحول إلى كسكس أو إلى سميد ، ويوضع الكل في أكياس تخزن في مواضع معينة من البيت ، وتكون صالحة للاستهلاك طوال فصول السنة .